ابن قيم الجوزية
134
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
للرب ، واقع بمشيئته كطاعات الملائكة والأنبياء والمؤمنين ، وما لم يوجد منه ، تعلقت به محبته وأمره الديني ، ولم تتعلق به مشيئته . وما وجد من الكفر والفسوق والمعاصي ، تعلقت به مشيئته ، ولم تتعلق به محبته ولا رضاه ولا أمره الديني ، وما لم يوجد منها ، لم تتعلق به مشيئته ولا محبته ، فلفظ المشيئة كوني ، ولفظ المحبة ديني شرعي ، ولفظ الإرادة ينقسم إلى إرادة كونية ، فتكون هي المشيئة ، وإرادة دينية ، فتكون هي المحبة . إذا عرفت هذا ، فقوله تعالى وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ ( 7 ) [ الزمر ] وقوله لا يُحِبُّ الْفَسادَ ( 205 ) [ البقرة ] وقوله وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ( 185 ) [ البقرة ] لا يناقص نصوص القدر والمشيئة العامة الدالة على وقوع ذلك بمشيئته وقضائه وقدره ، فإن المحبة غير المشيئة ، والأمر غير الخلق ، ونظير هذا لفظ الأمر ، فإنه نوعان : أمر تكوين ، وأمر تشريع ، والثاني قد يعصى ويخالف ، بخلاف الأول ، فقوله تعالى وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها ( 16 ) [ الإسراء ] لا يناقض قوله إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ ( 28 ) [ الأعراف ] ولا حاجة إلى تكلّف تقدير : أمرنا مترفيها بالطاعة ، فعصونا ، وفسقوا فيها ، بل الأمر هاهنا أمر تكوين وتقدير ، لا أمر تشريع ، لوجوه : أحدها أن المستعمل في مثل هذا التركيب أن يكون ما بعد الفاء هو المأمور به ، كما تقول : أمرته فقام ، وأمرته فأكل ، كما لو صرح بلفظه « أفعل » كقوله تعالى وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا ( 34 ) [ البقرة ] وهذا كما تقول : دعوته فأقبل . وقال تعالى يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ ( 52 ) [ الإسراء ] . الثاني أن الأمر بالطاعة لا يخصّ المترفين ، فلا يصحّ حمل الآية عليه ، بل تسقط فائدة ذكر المترفين ، فإن جميع المبعوث إليهم مأمورون بالطاعة ، فلا يصح أن يكون أمر المترفين علة إهلاك جميعهم .